ابن هشام الأنصاري

291

أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك

هذا باب الأحرف الثّمانية الداخلة على المبتدأ والخبر ( 1 )

--> ( 1 ) إن قلت : إن وأخواتها من الحروف التي تختص بالدخول على الأسماء ، وقد قررتم غير مرة أن الحرف المختص يعمل العمل الذي يخص ما اختص الحرف به ، وعلى هذا كان يجب أن تعمل إن وأخواتها الجر ، لأن العمل الذي يخص الاسم هو الجر ، فما وجه خروج هذه الأحرف عما هو الأصل الثابت المتقرر ؟ ؟ . فالجواب عن هذا أن الأصل هو ما ذكرت ، إلّا أن يعرض عارض يقتضي الخروج عنه ، وههنا قد عرض عارض هو مشابهة هذه الأحرف للفعل ، فاقتضى هذا الأمر الذي عرض لها أن تعمل عمل الفعل . فإن قلت : فما وجه مشابهة هذه الأحرف للفعل ؟ قلت : قد أشبهت هذه الأحرف الفعل شبها قويا في اللفظ وفي المعنى جميعا ، وذلك من خمسة أوجه ، أولها أنها كلها على ثلاثة أحرف هجائية أو أكثر ، فإن وأن وليت على ثلاثة أحرف ، ولعل وكأن على أربعة ، ولكن على خمسة ، والثاني أنها تختص بالأسماء كما أن الفعل يختص بالأسماء ولا محيد له عنها ، والثالث أنها كلها مبنية على الفتح كما أن الفعل الماضي مبني على الفتح ، والرابع أنها تلحقها نون الوقاية عند اتصالها بياء المتكلم ، تقول : إنني ، وأنني ، وليتني ، ولعلني ، وكأنني ، وقد علمنا أن الفعل تلحقه لزوما نون الوقاية إذا اتصلت به ياء المتكلم ، والخامس أنها تدل على معنى الفعل فإن وأن يدلان على معنى أكدت ، وكأن يدل على معنى شبهت ، وليت يدل على معنى تمنيت ، ولعل يدل على معنى رجوت ، فلما كان الأمر فيهن على هذا الوجه عملت عمل الأفعال ، فنصبت الاسم ، ورفعت الخبر . فإن قلت : فإن هذا الكلام كان يقتضي أن يكون الأول من الاسمين مرفوعا والثاني منصوبا كما كان ذلك مع الفعل ، فلماذا عكس الأمر فكان الأول وهو اسمها منصوبا وكان الثاني وهو خبرها مرفوعا . فالجواب أنه لما قوي شبهها بالفعل ، ولم تكن أفعالا في الحقيقة ، خافوا إذا هم جاؤوا بمعموليها فقدموا المرفوع وأخروا المنصوب ، والتزموا ذلك التزاما لم يخالفوه ، خافوا أن يتبادر إلى الذهن أنها ليست حروفا وأنها أفعال ، فعكسوا ترتيب المعمولين ، ليدلوا بذلك على حقيقة أمرها . فإن قلت : فإن عدم تصرفها تصرف الأفعال قد كان يكفي في الفرق بينها وبين الأفعال . -